محمد سعيد رمضان البوطي

75

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

وأجدادهم دون تفكر منهم في مدى صلاحها أو فسادها ، ودعاهم إلى تحرير عقولهم من أسر الاتباع الأعمى وعصبية التقاليد التي لا تقوم على شيء من أساس الفكر والمنطق . وفي هذا دليل على أن مبنى هذا الدين - بما فيه من عقائد وأحكام - إنما هو على العقل والمنطق ، وأن المتوخى في التمسك به إنما هو مصلحة العباد العاجلة والآجلة - ولذلك كان من أهم شروط صحة الإيمان باللّه وما يتبعه من أمور اعتقادية أخرى - أن يقوم على أساس من اليقين والفكر الحر ، دون أدنى تأثر بأي عرف أو تقليد ، حتى قال صاحب جوهرة التوحيد في أرجوزته المعروفة : فكل من قلد في التوحيد * إيمانه لم يخل من ترديد ومن هنا تعلم أن الدين جاء حربا على التقاليد ، والدخول في أسرها . إذ هو قائم في كل مبادئه وأحكامه على أساس العقل والمنطق السليمين ، على حين أن التقاليد قائمة على مجرد باعث الاقتداء والاتباع ، أي دون أن يكون فيه لعنصر البحث والتفكير الحر أي تأثير . إذ أن كلمة ( التقاليد ) إنما تعني ، في وضع اللغة العربية وما تواضع عليه عرف علماء الاجتماع : « مجموع العادات التي يرثها الآباء عن الأجداد ، أو التي تسري ، بمجرد عامل الاحتكاك في بيئة من البيئات أو بلدة من البلدان بشرط أن يكون عامل التقليد المجرد هو العصب الرئيسي الذي يمتدّ في تلك العادات من أجل الحياة والبقاء » . فجميع ما اعتاده الناس من أنماط الحياة في مجتمعاتهم ، ومن مظاهر اللهو في أفراحهم ، ومن أشكال الحداد في مآسيهم وأحزانهم ، مما حاكته عوامل التوارث القديم أو الاقتباس التلقائي عن طريق التأثر والاحتكاك جميع ذلك يسمى في اصطلاح اللغة وعلم الاجتماع ( تقاليد ) . إذا علمت هذا ، أدركت أن الإسلام لا يمكن أن ينطوي على شيء مما يسمى بالتقاليد ، سواء ما كان منه متعلقا بالعقيدة أو مختلف النظم والأحكام . إذ العقيدة قائمة على أساس العقل والمنطق . والأحكام قائمة على أساس المصالح الدنيوية والأخروية ، وهي مصالح تدرك بالتفكير والتدبّر الذاتي وإن قصر عن إدراكها فهم بعض العقول لبعض العوارض والأسباب . وإذا تبين لك هذا ، أدركت مدى خطورة الخطيئة التي يقع فيها من يطلقون كلمة ( التقاليد الإسلامية ) على مختلف ما يتضمنه الإسلام من العبادات والأحكام التشريعية والأخلاقية . إذ من شأن هذه التسمية الظالمة وترويجها ، أن توحي إلى الأذهان أن قيمة السلوك والخلق الإسلامي ليست بسبب كونهما مبدأ إلهيا يكمن فيه سر سعادة البشر - كما هو الحق - وإنما بسبب أن كلّا من النظام والخلق الإسلامي إنما هو عادات قديمة موروثة من الآباء والأجداد . ولا ريب أن